13‏/06‏/2026

تكفيريون لكن .. كيوت - بقلم / رحاب صبري


تعرف أحدهم من طريقته المتكررة:
يتناول لفظة من ألفاظ القرآن، ثم يذكر لك معنى جذر اللفظة، ثم يظل يمططه ويقلبه ويعيد تشكيله، حتى يصل إلى معنى آخر جديد، يعبّر عنه بألفاظ براقة مثل: الحضارة، البناء، التمدن، السنن، الفطرة، المسالمة… وهكذا.
ثم لا يكتفي بأن يقول: هذا وجه تدبري أو احتمال لغوي.
لاااا.
بل يجعل المعنى الجديد هو مراد اللفظ القرآني، ثم ينسب المعنى الذي فهمته الأمة إلى جهل الفقهاء، وضيق أفق المفسرين، وتراكمات التراث، رغم أن المعنى الذي يرده قد يكون مجمعًا عليه بين المسلمين منذ الصحابة، بل وربما دلّ عليه بيان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.
هؤلاء هم القرآنيون الجدد.
ليسوا تـ(ـكـ)ـفيريين بالمعنى الخشن القديم، بل هم — إن صح التعبير — “تـ(كـ)ـفيريون كيوت”.
فهم لا يأتونك بصوت أجش ووجه يشبه أبا جهل في فيلم فجر الإسلام ووصوت خشن أقرب للتجشؤ، بل يأتونك بابتسامة هادئة، ومصطلحات ناعمة، وكلام عن الإنسان والعمران والحضارة والقيم.
لكن النتيجة عجيبة:
يضيقون جدًا على جمهور المسلمين الذين آمنوا بالله، وصلّوا وصاموا، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقوا دينهم كما تلقته الأمة جيلًا بعد جيل.
ثم يوسّعون مفهوم الإسلام أو الإيمان توسيعًا قيميًا وسلوكيًا عجيبًا، حتى يصير غير المؤمن بالرسالة المحمدية قريبًا من مسمى الإسلام، أو داخلًا فيه، إذا كان مسالمًا أو نافعًا أو غير مؤذٍ للناس.
وهنا يثور السؤال المحرج:
ما الضابط عندكم إذن؟
إذا كان الإسلام هو مجرد المسالمة، أو الانسجام مع السنن، أو الكف عن الأذى، أو العمل النافع، فما الذي يمنع — وفق هذا التعريف — من إدخال وثني مسالم، أو لا ديني نافع، أو صاحب عقيدة باطلة لكنه لا يؤذي الناس، في مسمى الإسلام أو الإيمان؟
وفي المقابل: لماذا يصبح المسلم الذي يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبع سنته واقعًا في الشرك أو في التخيل الصنمي أو في التدين المحرف؟
أليس الله تعالى يقول:
﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾
ويقول:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾
وغيرها من الآيات الكثيرة التي تجعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيمه والتسليم له من صميم الإيمان، لا مناقضة للتوحيد؟
لكن المشكلة عند القوم أنهم يعيدون تعريف المصطلحات الكبرى:
الإسلام، الإيمان، الـ(ـكـ)ـفر، الشرك، العبادة، الصلاة، الدعاء، الفقه، الطاعة…
كلها تدخل ماكينة الجذر اللغوي، ثم تخرج بمعانٍ جديدة، ناعمة في ألفاظها، خطيرة في نتائجها.
ولكي يقنعوا الناس بهذا، يفعلون عدة أمور:
1- يسقطون حجية السنة النبوية بوصفها مصدرًا ملزمًا في بيان الدين، أو يعيدون تعريف طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث تصير طاعة “الرسالة” فقط، لا طاعة الرسول المبيّن المعلّم الذي أمر الله باتباعه.
مع أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي علّم الأمة الصلاة والزكاة والمناسك، وبيّن لها القرآن بسنته، وكان فهم الصحابة لدينه هو أول شاهد عملي على معنى القرآن.
2- يجعلون الجذر اللغوي حاكمًا على السياق، وعلى بيان النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى فهم الصحابة، وعلى إجماع الأمة.
فتجد أحدهم يقول لك: أصل الكلمة كذا، إذن معناها الحقيقي كذا.
ثم يبدأ في إلغاء المعنى الشرعي المستقر، وكأن الأمة كلها لم تفهم لسانها، ولم تعرف دينها، حتى جاء هو بعد أربعة عشر قرنًا ليكشف المعنى الذي غاب عن الصحابة والتابعين والمفسرين والفقهاء.
3- يتعاملون مع التراث وكأنه كتلة ظلام واحدة.
الفقهاء عندهم أصحاب فهم ضيق.
المفسرون أسقطوا تصوراتهم.
المحدثون نقلوا كلام بشر.
والأمة — في الجملة من عهد الصحابة إلى زمننا — انخرطت في مؤامرة كونية لتحريف فهم كلام الله من أجل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم .. كلهم عصابة عالمة أو مساكين لا يفهمون من العربية التي كانت لغتهم مافهمه هؤلاء!!.
لكن الغريب أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا ثبت عند بالتواتر و هو درجة صحة لا يشك فيها إلا مجنون, هذا الحديث لا يكون حجة عند هؤلاء، بينما قول شحرور، أو قول هذا الدعي المدعي على العربية الذي التقطه مجتمعهم، يصير عند أتباعهم كاشفًا عن المعنى الحقيقي للقرآن.
4- ولكي يتجنبوا الأسئلة المحرجة، مثل:
كيف عرفت الصلاة؟
من علّم الأمة الركوع والسجود وعدد الصلوات وهيئتها؟
كيف فهم الصحابة القرآن عمليًا؟
كيف اتفقت الأمة شرقًا وغربًا على أصل هذه العبادات؟
يبدؤون في إعادة تعريف الصلاة نفسها.
فالصلاة ليست بالضرورة تلك الصلاة التي تعرفها الأمة.
والعبادة ليست بالضرورة الصلاة والصيام والخضوع لله كما فهم المسلمون.
بل تصبح العبادة هي عمارة الأرض، أو السير وفق السنن، أو الحياة الصالحة، أو التزكية العامة.
وأمثلهم طريقة يقول: الصلوات المفروضة ليست خمسًا بل اثنتان فقط.
وهكذا، بدل أن تكون السنة شارحة للقرآن، يصبح القرآن عندهم نصًا مفتوحًا يعاد تشكيله كل مرة حسب الجذر والسياق الذي يختارونه هم.
المشكلة ليست أنهم يتدبرون القرآن.
حاشا.
التدبر عبادة عظيمة.
والمشكلة ليست أنهم يرجعون إلى اللغة.
فالقرآن نزل بلسان عربي مبين.
والمشكلة ليست أنهم يسألون أو يراجعون أو يناقشون.
فهذا كله من حق الباحث.
المشكلة أنهم يحولون الجذر اللغوي إلى سلطة فوق القرآن نفسه، وفوق بيان النبي صلى الله عليه وسلم، وفوق فهم الصحابة، وفوق إجماع الأمة.
ثم يسمون ذلك “تحريرًا للمعنى”، و“عودة إلى القرآن”، و“توحيدًا خالصًا”.
وهذا يذكرني بمن جعل إبليس من سادات الموحدين؛ لأنه رفض السجود لآدم، متناسيًا أن التوحيد ليس أن ترفض أمر الله باسم الله، بل أن تسلم لأمر الله كما أمر الله.
إنه مشروع هدمي متكامل للعقيدة، لكنه لا يأتيك بوجه الهدم الصريح، بل بوجه ناعم:
لغة.
حضارة.
بناء.
سنن.
تحرر من الفقهاء.
عودة إلى القرآن.
وفي النهاية:
النبي صلى الله عليه وسلم لا يُتبع.
السنة لا تُحتج بها.
الصلاة يعاد تعريفها.
الإيمان يعاد تعريفه.
الـ(ـكـ)ـفر يعاد تعريفه.
والأمة كلها تصبح متهمة بأنها لم تفهم كتاب ربها.
فهل هذه عودة إلى القرآن؟
أم سلطة جديدة لم يأذن الله بها، تخرج كلام الله تعالى عن معانيه العربية والشرعية، ثم تزعم أنها وحدها التي فهمت القرآن؟
======
وجدت فيديو فيه تجميع لبعض أقوال القوم ووضعته في أول رابط
لا أثق في الفيديوهات المجمعة .. لكن هذا نقلته لأني أعلم أن هذه أقوال القوم من كلامهم هم

20‏/07‏/2025

معلومة وقصة فريدة .. الأسيوطي الذي لا نعرفه - بقلم / رحاب صبري

أبدأ هذه الخاطرة السريعة  بمعلومة لم أكن أعلمها. أحببت أن أشاركك إياها

ثم أنطلق منها لقصة فذرة فريدة في تاريخ البشرية في سطرين..
لذا لا تعجل علي واقرأ حتى آخرالخاطرة لتجد قيتنا العجيبة المدهشة ..وعلى كل حال هي قصيرة ..

للإمام السيوطي — صاحب التفسير المشهور، والمنسوب إلى أسيوط (التي لا يُعرف منها في عصرنا إلا نادي بيراميدز) — كتابٌ غريبُ الاسم في #النحو، والأغرب من اسمه أنه أسس فيه لمنهج جديد في ترتيب أبواب النحو، أو ربما أرسى قواعد منهج ناشئ آنذاك.

الكتاب يُدعى "همع الهوامع"، واسمه الكامل:
"همع الهوامع في شرح جمع الجوامع".
وهو شرحٌ لجلال الدين السيوطي على كتابه الآخر في النحو المسمى "جمع الجوامع"!

اعتمد السيوطي في هذا الكتاب على تصنيف المباحث النحوية وفق أساسٍ سمّاه النحويون "العُمُد والفضلات".

والآن إلى القصة
لقد كان السيوطي رجلًا لو وُجد مثله عند أي أمةٍ أخرى لأقاموا له الدنيا ولم يقعدوها! فهو كاتبٌ موسوعي، حر الفكر، منضبطٌ بالأدلة العلمية دون جمود. ما من مجالٍ خاضه إلا وألف فيه، وما من موضوعٍ كتب عنه إلا وجمع آراء من سبقوه، ناقدًا وموازنًا، مقبولاً ومرجوحًا، مقترحًا ومبتكرًا. حتى إنه كتب في فنونٍ لا تُذكر إلا بين الرجل وزوجه!

رجلٌ عجيب..
ومثله في هذه الأمة — أمة الإسلام — كثير..
لكنهم لم يشتهروا لأن أمتنا، بعد أن سُلخت منها هويتها، أصبحت تتعلق ببعض أنصاف الأذكياء من تاريخ الأمم الأخرى، لمجرد أن أسماءهم تُكتَب بحروف لاتينية!

رحاب صبري

29‏/11‏/2021

مقالات عن القرآن - استحالة التحريف عمليا (1) | رحاب صبري

 بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد  وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ..

إن مجرد الدراسة البحثية العلمية - وليس الدراسة الاجتزائية المبنية على شبهات الطاعنين - و إنما الدراسة التي تشمل كل المصادر و تعطي كل مصدر منها ميزانه العلمي و أولويته التي يقر له بها العقل , لتقدم سيلا من الأدلة العقلية القطعية على سلامة النص القرآني , حتى لو لم يكن الباحث مؤمنا بالله ( و هذا متحقق في أمثلة سوف نشير إليها إن شاء الله تعالى من أعلام دارسي مخطوطات الكتب المقدسة و أعلام في الاستشراق الذين ألحد بعضهم بسبب ما ظهر له من تحريف البايبل مثلا و رغم ذلك هو يشهد ويقر بأن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تتوفر له الموثوقية في النقل من عصر محمد صلى الله عليه و سلم إلى يومنا هذا), بل إن الأدلة كما سنبين إن شاء الله تشهد على استحالة أي احتمال ممكن لتحريف عبر العصور مض أو آت. عند أي باحث يستوعب المصادر و يعطيها وزنها العلمي ويملك من قو ة العقل و تجرده للحق و تحرره من التحيزات غير العلمية عند وضع الأدلة و البراهين القطعية الثبوت أمامه, دون الظنون و الأوهام.

فالتأمل المبدئي في مجموع الأدلة المتوفرة المستفيضة المتنوعة المصادر و القاضية قطعا بموثوقية و حفظ القرآن أمام حفنة الاستدلالات الواهية التي يتداولها الطاعنون بشكل لا تحتاج لإطالة النظر فيه لتعلم أنها مبتسرة مفتعلة محاطة بكمية من الافتراضات لا دليل لها لا من العقل و لا من التاريخ حتى وصلوا لافتراضات مضحكة يضرب إذا صح أحدها يبطل الآخر , و يرى أن غالبية هذا الأدلة مما لا يصح في ميزان العلم ولا العقل فضلا عن الرواية ..

إن اجترار جميع الطاعنين لها بشكل يجعلهم كأنهم ببغاوات, و محاولة سرد قصص وهمية كثيرة حول كل مروية غير ثابتة يستندون إليها لإرباك المتلقي معرفيا حتى يفقد تركيزه ولا يكتشف أن هذا التهافت و البحث عن الشارد و الوارد و نسج القصص حول الاستدلالات التي هي في غالبها ضعيفة وغير ذلك إنما يشهد بأن القوم لا دليل لهم على الحقيقة... بل هم مجموعة من العجزة الباسين يتلقف بعضهم رجع حلوق بعض و يكرره مضيفا إليه مزيدا من الترهات بغرض الإرباك.

أما بهاء حقيقة أن القرآن لم يحدث له أدنى تحريف لا و يستحيل ((عمليا)) أن يحدث له - فهو أمر أوضح من الشمس في كبد السماء الصافية , بغض النظر عن إيمان الشخص به من عدمه - لولا قنابل دخان الطاعنين و لولا البعد عن الدراسة الشاملة الرصينة غير الاجتزائية.

لذلك و رغم أننا سوف نقدم إن شاء الله في حوارنا هذا عددا كبيرا من الأدلة إلا اننا نبدأ بما يشهد لما قلنا و هو دليل ما آل إليه القرآن في اللحظة الراهنة ثم نعود بالاستدلال في الزمن إلى الوراء .. و دليل اللحظة الراهنة الذي لا يخفى على العيان هو ما نسميه ((وحدة النص القرآني))

مع التأكيد على أننا سوف نناقش أيضا إن شاء الله أدلة أخرى لا تقل قطعية مثل دليل التواتر و شهادات العلم و التاريخ و العقل و المصاحف المخطوطة ابل و شهادات المتخصصين من غير المسلمين بل و من أدلتنا أدلة الطاعنين أنفسهم كما سنبين إن شاء الله تعالى , وسنسوقها إن شاء الله تعالى لاحقا . .

إلا أنه دائما يبقى في كتاب الله في لحظته الراهنة برهان لا يتطلب كل هذا العناء , برهان دون الذهاب بعيدا أو البحث المضنى , . . برهان يصل إليه الإنسان بطريق سالم من المغالطات المنطقية , آمن مطمئن , باعث على اليقين

و هذا المسلك مناسب لطبيعة القرآن الذي أنزل لكل البشر , و ليس فقط للباحثين في المخطوطات و المرويات الخبرية التاريخية . . فكان حريا أن يجد كل منهم طريقه لليقين بسلامة هذا النص الخالد.

و بيان ذلك يتميز القرآن دون عن أي كتاب على وجه الأرض بشهادة الوضع الراهن له شهادة يقينية على سلامته و ثبوت نصه عبر العصور.
==========================
* ما المقصود بوحدة النص القرآني :

إذا نظرنا في حال القرآن اليوم , ثم سألنا أنفسنا أو غيرنا أو أي عاقل . .
" هل يوجد اليوم قرآنان أو أكثر ؟ "

فستأتي الإجابة جامعة قاطعة من المسلم و غير المسلم . . الكبير و الصغير . . العالم و غير العالم . .
" لا . . إنه نص واحد فقط "

نص واحد محفوظ في صدور حفاظ القرآن ( سواء كليا أو جزئيا على اتساع توزيعهم جغرافيا و كثرة المذاهب و الفرق في كل مكان)
نص واحد محفوظ في المصاحف و المخطوطات ( أيضا على اتساع الجغرافيا و كثرة المذاهب و الفرق و من شتى حقب التاريخ )
نص واحد محفوظ و مفسر كلمة كلمة في كتب التفسير و إعراب القرآن ( أيضا على اتساع الجغرافيا و كثرة المذاهب و الفرق و من شتى حقب التاريخ)
نص واحد يستدل به في كتب الفقه و الحديث و النحو و الأدب وغيرها ( أيضا على اتساع الجغرافيا و كثرة المذاهب و الفرق و من شتى حقب التاريخ)

و تاج ذلك و قمة روعته في اتفاق ذلك كله معا و اطباقه على نفس النص

إن وحدة النص تلك في حد ذاتها شهادة حاسمة , فليس لدينا للقرآن إلا نصا واحدا , متعارف عليه بين المسلمين على ظهر الأرض , رغم اختلافهم في المذاهب و ربما اختلافا وصل ببعضهم إلى حد الخلاف العقدي .

فالقرآن الذي بين أيدي أهل السنة و القرآن الذي بين المعتزلة و القرآن الذي عند الخوارج و عند الأشاعرة عند الماتريدية ..
و عند كل مسلمي الأرض هو قرآن واحد . .


بل ليس على وجه الأرض حتى عند غير المسلمين قرآنا غير هذا.
رغم حرصهم على الطعن في الإسلام عبر التاريخ , بدء من يهود المدينة , و نصارى نجران , و غيرهم.

لا يوجد إلا قرآن واحد
=============
طيب كيف تكون وحدة النص دليلا على سلامة النص؟

إننا إذا تأملنا المالات الحتمية التي يقود إليها التحريف نجد أنها تقود إلى تعدد النصوص" قطعا "

و يشهد لذلك كما سنبين إن شاء الله :
أولا / العقل بالنظر
ثانيا /بالحس و المشاهدة
ثالثا / التاريخ

فكلها يشهد - كما سنبين إن شاء الله تبارك وتعالى -أن التحريف في نص ما مآله الحتمي هو ظهور عدة نصوص متباينة تباينا جوهريا وفاحشا .. و هو ما حدث لكتب أهل الكتاب من قبلنا ..

و لكن التحريف أبدا إبدا لا يستطيع أن يقلب عدة نصوص مختلفة إلى نص واحد أبدا , مهما حدث ,

فلو نظرنا إلى المحاولات الحثيثة التي قام بها أهل الكتابين من قبلنا لتوحيد نصوص كتبهم لوجدنا انها باءت بالفشل الذريع في توحيد النص ليصبح نصا واحدا ..

بل هناك نصوص الاختلافات بين كتبهم تصل إلى ما يعادل عدة أجزاء من القرآن .. نصوص كاملة متمايزة حتى يقال مثلا النص اليوناني للعهد القديم و هو متمايز عن النص العبري الماسوري - ليس تمايز ترجمة .. لا تمايزا يجعله نصا مختلفا إلا من بعض المتشابهات.

أما القرآن فنصه واحد , لا يوجد إلا نصا واحدا معروفا للجميع بتشكيله و مدوده ووقفاته و سكناته و قراءاته , لا يخفى منه على أحد خافية. . نص واحد.

نص واحد على اتساع الجغرافيا طولا و عرضا , في العراق في الشام في أمريكا في الصين في الهند في اليمن . . في كل بقاع الأرض.
نص واحد بعمق التاريخ صعودا و هبوطا , في كل مكان على وجه الأرض.

نص واحد ومن ادعى وجود غيره فليأتنا به .. و لنرى ..

أبدا لم يأت أحد على وجه الأرض بغيره

=============
تجربة ذهنية.

الآن لنتخيل هذه التجربة و نطلب من حضرتكم تسجيل المشاهدة . . ثم الاستنتاج

التجربة :
لنتخيل أنه لسبب ما مسحت كل الكلمات المكتوبة في كل الصحف و الكتب على وجه الأرض . .
و طلبنا من كل كتاب نسخة كاملة مطابقة للنسخة الأصلية . .

ترى أي كتاب يمكن أن حصل عليه من بين كل الكتب المقدسة و غير المقدسة ؟؟

لن تجد إلا القرآن . .
و سوف تأتيك منه ليس نسخة واحدة . . بل مئات الآلاف من النسخ . . المتطابقة . .

و حتى لو كان في أحدها خطأ في كالتابة أو سهو . . سوف تجد مئات الآلاف من النسخ التي يستحيل عقلا أن تشترك ي نفس الخطأ أو السهو . .
إنها العصمة الجماعية التي لا تتوفر إلا للقرآن لتبين لنا مظهر حفظ الإرادة الإلهية للقرآن دونا عن غيره من الكتب , إن العقل السوي ليشهد شهادة من عاين عين اليقين أنه يستحيل عقلا أن يتفق مئات الآلاف من البشر في نفس الخطأ أو في نفس السهو أو أن يتواطؤوا جميعا على تغيير كلمة لا سيما في كتاب أصل إيمانهم قاسم على أنه لا يحرف .. فلو حرفوه بأيديهم لتركوا هذا الإيمان ولافتضح هذا الأمر بين الناس ..

إن التحريف لا يمكن أن يحدث إلا سرا ..

في حالة كتاب مثل القرآن .. لا يوجد نص واحد سري .. لا توجد آية واحدة لا يقرأها و يحفظها مئات الآلاف ..

فكيف يتسرب تغيير في السر إلى أمثال هؤلاء ؟؟!!

كما أنه يستحيل أن يحدث في العلم .. لأن الذي سوف يعلن به سوف يفتضح أمره ولن يقبل ما جاء به بل ولن يتركه المسلمون و أقدس ما في حياتهم ..

إن مثل هذا في حذ ذاته - ووحده - ليكفي لمن كان ذو لب أن يشهد للقرآن بأنه كلام الله تبارك و تعالى , لأن هذا الحفظ لكتاب ليس جهدا بشريا , بل هو مسار قدري إلهي لا تقدر على تقديره إلا قوة إلهية .

و هذا الذي تحدثنا عنه من توافر أعداد غفيرة تحفظ كل آية من كتاب الله .. لهو موجود في كل طبقة و جيل من عصرنا إلى أن نصل إلى عصر النبي صلى الله عليه و سلم ..

و هذا هو الذي وصفه المسلمون اختصارا باسم التواتر .. و هو الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله لاحقا ..

20‏/03‏/2020

سألني عن القرآن فأجبته .. أوهام ملحد حول نعيم الجنة؟؟!!


قال السائل:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
قام احد الملحدين باثارة شبهة تتعلق بالقرءان الكريم وهي كالتالي :
أن محمد عليه الصلاة السلام أرسل للناس أجمعين ولكن حين نقرأ في القران الكريم نرى أن نعيم اهل الجنة المذكور( الأنهار والفاكهة والحور المقصورات في الخيام والحرير وغيرها ) لا يتعدى أحلام رجل يعيش في الصحراء .
فلو أردنا القول ان هذا النعيم المذكور ذكر بهذه الصورة ليتوافق مع مستوى تفكير القوم الذين أرسل اليهم محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم سننافي القول بان محمد ارسل للناس اجمعين .
تعالى الله عما يقولون
بحثت كثيرا ولم اجد اجابة مقنعة جميعها لا تتعدا كونها اجابات معلبة .

الرد:

أقول مستعينا بالله بعد حمد الله تعالى و الصلاة و السلام على رسوله النبي الأمين

إن هذا التوهم إذا وزناه بميزان العقل فلن يعدو كونه " هاجسا " من باب الهواجس اللاواعية التي تهاجم خواطر الإنسان ثم لا تلبث أن تتبخر وتتلاشى اذا ما أشرقت شمس التفكير المتعقل والفحص المنصبط لها..
وذلك من وجهين
الاول / إثبات خطأ توهم أن هذا مما تتعلق به أحلام البدائيون أو الرجال الذين يعيشون في الصحراء :
إن ما تفضلتم بالسؤال عنه من صور النعيم المادي لو تأملتم - لوجدتم أنه مما تستشرف إليه و تأنس به نفوس البشر جميعا عبر تاريخ البشرية بعمقه, و في كل البيئات الأنثروبولجية باتساعها مهما تنوعت عناصرها الجغرافية و الحضارية وأيا كان تعريفك للحضارة ..
وبلا استشناء لبشري سوي .
فهو نعيم موجه لمركوزات في نفوس البشر جميعا .. وليس خاصا بصحراء او بادية او مدينة او حضر . . او قديم أو حديث
فهل حب الماء البارد مركوز في حياة الصحراوي دون غيره؟؟ . .
أبدا .. هذا أمر بين البطلان ..
ألم يصنع الغربيون مبردات المياه و الثلاجات لأنفسهم ابتداء كرفاهية؟؟ رغم أن درجات الحرارة في عامة بلدانهم ألطف من درجات الحرارة في الصحراء صيفا؟؟
الفاكهة .. و اللبن .. و اللحم .. و الطعام الطيب .. والراحة .. و العسل .. و الخمر المصفى و المبرأ من جوانب الإيذاء و الخبث في خمر الدنيا .. هل هذا مما يحبه الصحراوي دون الحضري أو العربي دون الغربي ؟؟!!
وهل أنس الرجل بالمرأة و ميله إليها و رغبته فيها امر يخص الصحراويين؟؟!!
أعتقد ان قليلا من التامل سوف يدفع عنكم تماما هذا الهاجس دفعا . .
بل وربما تنظرون بغرابة لهذا الهاجس كيف ناقشناه بشيء من الجدية أصلا مع أنفسنا.
النقطة الثانية / أن هذا النعيم الجسدي - و إن لم يكن النعيم الوحيد الموعود به بل هناك أعظم كما سنبين إن شاء الله - إلا أنه أمر ضروري لصلاح الدنيا و تقوى النفوس فيها , كما أنه يناسب عدل الله و حكمته:
وبيان ذلك أن :
(1) هذا النعيم هو عدل من الرب الرحيم ورحمة بالمتقين من عباده الذين حرموا أنفسهم من متع كثيرة استباجها غيرهم ابتغاء وجه الله , ومنهم من ربما مات و لم يحصل هذه المتع مرة في حياته ..
فهذا كان فقيرا لم يستطع أن يتزوج .. و لم ينزلق إلى الزنا ..و ربما مات أعزبا..
و هذا كان فقيرا .. لم يستطيع أن يحصل المال الذي يحوز به النعم المادية التي ربما حازها البعض باكل الحرام.
و هذا مرض مرضا أو هذا شردته الحروب و قصت على ماله و أمنه و بيته .. و مع ذلك لم يبع نفسه للشيطان.

أليس من كمال عدل الله تبارك وتعالى وفضله و رحمته أن يعوضه بنعيم أكمل وأبهى و أنقى من المكدرات الدنيوية..
أم أن يبقى الصالح التقي محروما حرمانا أبديا ونقول له فاتك نعيم الجسد في الدنيا وليس ثمة جزاء من جنس عملك في الآخرة!!

(2) من جهة أخرى فإن هذا يقدم للعبد الصالح عونا في الدنيا على الامتناع عن الحرام و صبرا و هو يرى الفساق يستمتعون استمتاعا وقتيا بفسقهم , بل تراه ينظر بترفع وشفقة إلى من ضيع آخرته بدنيا زائلة.
.. لأنه يعلم أن ما يمنع نفسه عنه من المحرمات سوف يعوضه الله بأفضل منه . . فيمتنع عن الموبقات والسرقة و الزنا واكل أموال الناس فتصلح المجتمعات وتطهر.

ولعل هذا جانب مرتبط من معنى قول الله تعالى
" فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا "
فكما أن خوف العذاب في هذا اليوم عون على صلاح العبد في الدنيا فإن الجنة أيضا و ما فيها من نعيم يعوض الله به المتقين و المظلومين.
النقطة الثالثة: ليس هذا فقط هو النعيم الموعود :
فأمام هذا النعيم الجسدي في الجنة هناك نعيمٌ أعظم, مما يمكن أن نسميه نعيما معنويا أو روحيا لو جازت التسمية و الله أعلم .. كما يأنس البدن بما سبق..
فجعل الله تعالى رضوانه نعيما لهم .. و مغفرته لهم نعيما لهم .. والنظر إليه تعالى نعيما لهم..

يقول الله تعالى :
" وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
((وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)) ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (72)

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ . فَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، فَيَقُولُ : هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ : وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبُّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ . فَيَقُولُ : أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ : وَأَيُّ شَيءٍ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً "
متفق عليه

فإن الجنة فيها نعيم الأبدان بلا كدر .. و نعيم الأرواح بلا كدر



هذا و الله أعلم