تعرف أحدهم من طريقته المتكررة:
يتناول لفظة من ألفاظ القرآن، ثم يذكر لك معنى جذر اللفظة، ثم يظل يمططه ويقلبه ويعيد تشكيله، حتى يصل إلى معنى آخر جديد، يعبّر عنه بألفاظ براقة مثل: الحضارة، البناء، التمدن، السنن، الفطرة، المسالمة… وهكذا.
ثم لا يكتفي بأن يقول: هذا وجه تدبري أو احتمال لغوي.
لاااا.
بل يجعل المعنى الجديد هو مراد اللفظ القرآني، ثم ينسب المعنى الذي فهمته الأمة إلى جهل الفقهاء، وضيق أفق المفسرين، وتراكمات التراث، رغم أن المعنى الذي يرده قد يكون مجمعًا عليه بين المسلمين منذ الصحابة، بل وربما دلّ عليه بيان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.
هؤلاء هم القرآنيون الجدد.
ليسوا تـ(ـكـ)ـفيريين بالمعنى الخشن القديم، بل هم — إن صح التعبير — “تـ(كـ)ـفيريون كيوت”.
فهم لا يأتونك بصوت أجش ووجه يشبه أبا جهل في فيلم فجر الإسلام ووصوت خشن أقرب للتجشؤ، بل يأتونك بابتسامة هادئة، ومصطلحات ناعمة، وكلام عن الإنسان والعمران والحضارة والقيم.
لكن النتيجة عجيبة:
يضيقون جدًا على جمهور المسلمين الذين آمنوا بالله، وصلّوا وصاموا، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقوا دينهم كما تلقته الأمة جيلًا بعد جيل.
ثم يوسّعون مفهوم الإسلام أو الإيمان توسيعًا قيميًا وسلوكيًا عجيبًا، حتى يصير غير المؤمن بالرسالة المحمدية قريبًا من مسمى الإسلام، أو داخلًا فيه، إذا كان مسالمًا أو نافعًا أو غير مؤذٍ للناس.
وهنا يثور السؤال المحرج:
ما الضابط عندكم إذن؟
إذا كان الإسلام هو مجرد المسالمة، أو الانسجام مع السنن، أو الكف عن الأذى، أو العمل النافع، فما الذي يمنع — وفق هذا التعريف — من إدخال وثني مسالم، أو لا ديني نافع، أو صاحب عقيدة باطلة لكنه لا يؤذي الناس، في مسمى الإسلام أو الإيمان؟
وفي المقابل: لماذا يصبح المسلم الذي يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبع سنته واقعًا في الشرك أو في التخيل الصنمي أو في التدين المحرف؟
أليس الله تعالى يقول:
﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾
ويقول:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾
وغيرها من الآيات الكثيرة التي تجعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيمه والتسليم له من صميم الإيمان، لا مناقضة للتوحيد؟
لكن المشكلة عند القوم أنهم يعيدون تعريف المصطلحات الكبرى:
الإسلام، الإيمان، الـ(ـكـ)ـفر، الشرك، العبادة، الصلاة، الدعاء، الفقه، الطاعة…
كلها تدخل ماكينة الجذر اللغوي، ثم تخرج بمعانٍ جديدة، ناعمة في ألفاظها، خطيرة في نتائجها.
ولكي يقنعوا الناس بهذا، يفعلون عدة أمور:
1- يسقطون حجية السنة النبوية بوصفها مصدرًا ملزمًا في بيان الدين، أو يعيدون تعريف طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث تصير طاعة “الرسالة” فقط، لا طاعة الرسول المبيّن المعلّم الذي أمر الله باتباعه.
مع أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي علّم الأمة الصلاة والزكاة والمناسك، وبيّن لها القرآن بسنته، وكان فهم الصحابة لدينه هو أول شاهد عملي على معنى القرآن.
2- يجعلون الجذر اللغوي حاكمًا على السياق، وعلى بيان النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى فهم الصحابة، وعلى إجماع الأمة.
فتجد أحدهم يقول لك: أصل الكلمة كذا، إذن معناها الحقيقي كذا.
ثم يبدأ في إلغاء المعنى الشرعي المستقر، وكأن الأمة كلها لم تفهم لسانها، ولم تعرف دينها، حتى جاء هو بعد أربعة عشر قرنًا ليكشف المعنى الذي غاب عن الصحابة والتابعين والمفسرين والفقهاء.
3- يتعاملون مع التراث وكأنه كتلة ظلام واحدة.
الفقهاء عندهم أصحاب فهم ضيق.
المفسرون أسقطوا تصوراتهم.
المحدثون نقلوا كلام بشر.
والأمة — في الجملة من عهد الصحابة إلى زمننا — انخرطت في مؤامرة كونية لتحريف فهم كلام الله من أجل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم .. كلهم عصابة عالمة أو مساكين لا يفهمون من العربية التي كانت لغتهم مافهمه هؤلاء!!.
لكن الغريب أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا ثبت عند بالتواتر و هو درجة صحة لا يشك فيها إلا مجنون, هذا الحديث لا يكون حجة عند هؤلاء، بينما قول شحرور، أو قول هذا الدعي المدعي على العربية الذي التقطه مجتمعهم، يصير عند أتباعهم كاشفًا عن المعنى الحقيقي للقرآن.
4- ولكي يتجنبوا الأسئلة المحرجة، مثل:
كيف عرفت الصلاة؟
من علّم الأمة الركوع والسجود وعدد الصلوات وهيئتها؟
كيف فهم الصحابة القرآن عمليًا؟
كيف اتفقت الأمة شرقًا وغربًا على أصل هذه العبادات؟
يبدؤون في إعادة تعريف الصلاة نفسها.
فالصلاة ليست بالضرورة تلك الصلاة التي تعرفها الأمة.
والعبادة ليست بالضرورة الصلاة والصيام والخضوع لله كما فهم المسلمون.
بل تصبح العبادة هي عمارة الأرض، أو السير وفق السنن، أو الحياة الصالحة، أو التزكية العامة.
وأمثلهم طريقة يقول: الصلوات المفروضة ليست خمسًا بل اثنتان فقط.
وهكذا، بدل أن تكون السنة شارحة للقرآن، يصبح القرآن عندهم نصًا مفتوحًا يعاد تشكيله كل مرة حسب الجذر والسياق الذي يختارونه هم.
المشكلة ليست أنهم يتدبرون القرآن.
حاشا.
التدبر عبادة عظيمة.
والمشكلة ليست أنهم يرجعون إلى اللغة.
فالقرآن نزل بلسان عربي مبين.
والمشكلة ليست أنهم يسألون أو يراجعون أو يناقشون.
فهذا كله من حق الباحث.
المشكلة أنهم يحولون الجذر اللغوي إلى سلطة فوق القرآن نفسه، وفوق بيان النبي صلى الله عليه وسلم، وفوق فهم الصحابة، وفوق إجماع الأمة.
ثم يسمون ذلك “تحريرًا للمعنى”، و“عودة إلى القرآن”، و“توحيدًا خالصًا”.
وهذا يذكرني بمن جعل إبليس من سادات الموحدين؛ لأنه رفض السجود لآدم، متناسيًا أن التوحيد ليس أن ترفض أمر الله باسم الله، بل أن تسلم لأمر الله كما أمر الله.
إنه مشروع هدمي متكامل للعقيدة، لكنه لا يأتيك بوجه الهدم الصريح، بل بوجه ناعم:
لغة.
حضارة.
بناء.
سنن.
تحرر من الفقهاء.
عودة إلى القرآن.
وفي النهاية:
النبي صلى الله عليه وسلم لا يُتبع.
السنة لا تُحتج بها.
الصلاة يعاد تعريفها.
الإيمان يعاد تعريفه.
الـ(ـكـ)ـفر يعاد تعريفه.
والأمة كلها تصبح متهمة بأنها لم تفهم كتاب ربها.
فهل هذه عودة إلى القرآن؟
أم سلطة جديدة لم يأذن الله بها، تخرج كلام الله تعالى عن معانيه العربية والشرعية، ثم تزعم أنها وحدها التي فهمت القرآن؟
======
وجدت فيديو فيه تجميع لبعض أقوال القوم ووضعته في أول رابط
لا أثق في الفيديوهات المجمعة .. لكن هذا نقلته لأني أعلم أن هذه أقوال القوم من كلامهم هم